يحيي بن حمزة العلوي اليمني

18

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ومتى نجد يوما فساد عشيرة * نصلح وإن نر صالحا لا نفسد فلما أراد المبالغة في الصفح وإيثاره ، صدّره بالجملة الاسمية مؤكدا باللام من أجل ذلك ، وقال آخر « 1 » : نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الآدب منّا ينتقر فصدّره بالجملة الاسمية عوضا عن الفعلية إرادة للتأكيد ، والجفلى هي الدعوة العامة ، وهي تخالف « النّقرى » لأنها دعوة خاصة من جهة أنه ينقّر في دعوته ، أي يدعو واحدا خاصّا من بين أقوام . الطرف الثاني في توجيه الخطاب ب [ الجملة الفعلية ] اعلم أن الإخبار في قولنا : قام زيد ، مثله في نحو قولك : زيد قام ، خلا أن قولنا : زيد قام ، فيه نوع اهتمام وإيضاح للجملة الاسمية كما أوضحنا في نظائره ، وهكذا قولنا : زيد قائم ، مثل قولنا : إن زيدا قائم ، خلا أن الثاني مختص بمزيد قوة وتأكيد لم يكن في الأول ، ولو جئت باللام في خبر إن ، لكان أعظم تأكيدا ، فقولنا : زيد منطلق ، إخبار لمن يجهل انطلاقه وقولنا : منطلق زيد ، إخبار لمن يعرف زيدا ، وينكر انطلاقه ، فتقديمه اهتمام بالتعريف بانطلاقه ، وقولنا : إن زيدا منطلق ، رد لمقالة من يقول : ما زيد منطلقا ، وقولنا : إن زيدا لمنطلق ، رد لقول من قال : ما زيد بمنطلق ، فأنت إذا جئت بالجملة الفعلية فقلت قام زيد ، فليس فيه إلا الإخبار بمطلق القيام مقرونا بالزمان الماضي من غير أن يكون هناك مبالغة وتوكيد كقوله تعالى : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ [ النمل : 17 ] وقوله تعالى : نَزَّلَ الْكِتابَ [ الأعراف : 196 ] فالغرض الإخبار بهاتين الجملتين بالفعل الماضي من غير إشعار بمبالغة هناك ، ولما أراد المبالغة في الجملة الأولى قال في آخرها : فَهُمْ يُوزَعُونَ [ النمل : 17 ] وقال في الثانية : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] فإتيانه بالجملتين الاسميتين من آخر الجملتين السابقتين المصدرتين بالفعلين دلالة على المبالغة والتأكيد في المقصود الذي سقناه من أجله ، وهو التولي للصالحين والإيزاع .

--> ( 1 ) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه / 55 ، وأدب الكاتب / 163 ، وإصلاح المنطق / 381 .